العائلة السجينة للبريء نادر…ذكريات موجعة

مشاهدة 1267

العائلة السجينة … جسد دون روح

إيمان العبد

فصول قصة نادر شمس لم ولن تنتهي بعد، فما عاشته العائلة خلال أربعة أشهر كان قاسياً جدًا، حيث تذوقوا فيها المرارة والألم، لكل واحد منهم شجن ولحظات صعبة مروا بها؛ من أم لم تستطع أن ترى وليدها نادر مدة أربعة أشهر، لأخت كانت تحاول التماسك أمام والديها وأخاها وشقيقتها الصغرى التي عاشت الخوف وعايشت القلق.

أم نادر …”جسد بدون روح” كنت

يبدأ الحديث مع والدة نادر “فاطمة”، قد تكون الكلمات غير كافية لتصف ما عاشه قلبها من ألم على وحيدها وابتعاده عن حضنها، عن عينيها، عاشت الخوف داخل هذه الدوامة بصبرٍ جميل، حين تُسأل عن لحظات انتزاع وليدها من حضنها، تخونها قدرة الكلام وتختنق العبارات مع العبرات التي تتسابق مع الكلمات التي تنضح حزناً وألماً. لحظة المداهمة واعتقال وليدها هي أكثر اللحظات المؤلمة، انحفر المشهد في ذاكرتها، عندما تستعيد شريط ما حصل يتراءى لها المشهد أمامها من جديد، ” دخلوا البيت، لم أكن أرتدي حجابي، اقتحموا المنزل، وجدتهم داخل منزلي، داخل غرفة نادر يفتشون الغرفة، دخلت وجدته يقف هادئاً، ينظر إليهم، قال لي: لم أفعل شيء يا أمي”. بكت ركعت على أقدام من اعتقدت أنه مسؤول عن المجموعة الأمنية، رجته أن يخبرها ما يجري، لم يتفوه بأي كلمة. شاهدت ولدها مكبلاً كمجرم، لكنه كان هادئاً. وكما دخلوا بسرعة غادروا بسرعة مع وليدها، كل شيء في وقت لا يتعدى ال 15 دقيقة، ليغيب عن عيون والدته مدة أربعة أشهر. لم تستطع رؤيته طول فترة توقيفه لأنها لن تحتمل رؤية وليدها من خلف القضبان، من دون أن تكون قادرة على احتضانه وشم رائحته، أن تضمه إلى قلبها

“أربعة أشهر كنت فيها جسد دون روح ” بهذه الجملة اختزلت فاطمة ألامها وحزنها العظيم، الأم المتماسكة أمام عائلتها ” كبتت مشاعرها وألمها في قلبها ” على حد قولها، ومع ساعات الفجر الأولى من كل يوم، كان وقت إختلائها بنفسها، وقت الدعاء لله “كنت أستيقظ كل فجر، أجلس على الشرفة أدعو لله ودموعي تجري…” وتختنق الكلمات، ويغيب صوتها، ويرتفع نحيبها الهادئ

شريط ذاكرة الأربعة أشهر يعيد تلك الأم الصابرة إلى أصعب أيام عاشتها، تتذكر ذكرى ميلاده تصفه باليوم الكئيب، فوليدها أتم العشرين من عمره في السجن الكبير خلف قضبان “سجن رومية “، كانت المرة الأولى لاحتفاله بعيد ميلاده بعيداً عن عائلته

كيف سيعاملونه في سجن رومية؟…قلق أم نادر

“سجن رومية ” كلمة ثقيلة ومؤلمة على مسمع والدة نادر، فيوم ولوجه السجن كان كابوس ودارت الهواجس المخيفة والمشاعر المؤلمة في عقلها وقلبها ” كيف سيعاملونه؟ ماذا يخبأ له في السجن …؟ كانت قد سمعت سابقاً عن مآسي حصلت هناك، تساءلت كيف سيعيش ابنها بين المجرمين …لن تستطع حتى أن تقول هذه المواجع، كانت مرعوبة من أن وليدها نادر لا يستحق أن يكون في هذا المكان، لقد قامت برعايته وتربيته ليكون مواطن صالح، يحب الخير لكل الناس، “لماذا ظلموا ولدي؟”، وتقول “ليلة عرفت أنه نُقل إلى “سجن رومية” لم أنم كنت أشعر أن نادر ليس بخير، شعرت بقلقه، أحسست بخوفه”

فاطمة تريد أن تنسى ذكريات الأربعة أشهر، فتنتقل سريعاً إلى ما قبل المحكمة بأربعة أيام، إلى ليلة رأس السنة، “كنا جميعاً إلا نادر على غير عادتنا في هذه الليلة”، تضيف ” كنت لا أريد الاحتفال بقدوم سنة جديدة من دون نادر لكنه أصر على أن نحتفل ككل سنة، عندما تكلمت معه وقال لي أنه سيحتفل رغم ظلمة السجن، وأنه سيخرج قريبا مع بزوغ العام الجديد ” تقول إنها كانت تذكر نادر في كل لحظة ذلك اليوم وطوال السهرة، لتشعر وكأنه معهم

العائلة بأفرادها من الأم إلى الشقيقتين كلٌ لديهن ذكريات يستذكرها خلال فترة أربعة أشهر، سارة الأخت الكبرى، تستلم الكلام عن والدتها عندما تخنقها العبارات، يبدو واضحاُ أن هذه الفتاة ذات الثمانية عشر ربيعاً كانت تقف بجانب والدها ووالدتها ونادر وشقيقتها الصغرى لين، تبدو كسيدة ناضجة صلبة وقوية كانت خلال هذه المحنة المؤلمة

مزحة ثقيلة” هكذا اعتقدت شقيقة نادر”

“خلتُ الأمر مزحة من رفاق نادر في بداية الأمر، لم أصدق ما جرى” هذا ما قالته سارة، لكن سرعان ما توضح ما حصل، تقول “الأيام الثلاثة الأولى كانت الأكثر خوفاً وقلقاً وصعوبة فكل تفكيرنا مع أخي نادر، لم نأكل، لم نشرب، لم ننام، فقط نبكي ونفكر بحبيبي نادر

نادر وسارة …عاد معا وسيبقيان معا

سيطر الغموض والقلق لمدة 27 يوماً، لم تر فيها العائلة نادر، لم يُسمع صوته. حتى أنهم لم يكن لديهم أي تأكيد لدى أي جهاز أمني يقبع، تقول سارة أن خلال هذه المدة كنت تستفيق على بكاء والدتها وتنام على صوت نحيبها الموجع، لم أعرف عمن سأخفف عن والدي، عن والدتي، عن شقيقتي لين، كنت أتكلم وحيدة مع نادر على واتس آب، كنت أكلم نفسي فقط، وأجيب عن نادر، حتى أشعر بالقوة، لأخفف عن وجع نفسي بنفسي، حتى أستمد القوة، أبقى قوية حتى لا أصاب بالانهيار، ولا أعرف كيف صمدت وتحملت

…شعرت بالضياع عند أزمة والدي الصحية

تستذكر سارة يوم تعرض والدها لأزمة صحية استوجبت نقله سريعاً إلى المستشفى، في تلك الليلة بالذات كادت الأمور تنقلب، وكنا قد نفقد والدي، ووصل التوتر إلى ذروته:” شعرت بالضياع والتشتت كل منا في مكان مختلف” أسهبت سارة في الحديث عن تلك الليلة الحزينة والمؤلمة بنظرها وتذكرها جملة وتفصيلا، انطبعت في ذاكراتها، لكن في حديثها دائماً تتذكر نادر وما يحصل معه، معنوياته … أليس نادر شقيقها الأكبر الوحيد، والأقرب إلى عقلها وقلبها، حيث أن الفارق بينهما لا يتعدى السنة والنصف في العمر. لم تتحدث عما فعلته في هذه المحنة، كان تركيزها محصوراً على دعم نادر، كانت خائفة عليه. تنتقل بحديثها إلى اللقاء الأول معه في نظارة النيابة العامة العسكرية، قال لها نادر فوراً “سارة ما تبكي” رأت في عيني نادر الغضب مما حصل معه “حاولت حينها طمأنته عن والدتي وشقيقتي الصغرى “

سارة: كنت دائما أريده قوياً كنت أشجعه واسانده

في 10 تشرين الأول اتصل نادر بشقيقته سارة وقال إنه أصبح في “سجن رومية”، من الواضح أن نقله إلى “سجن رومية” كان مؤلماً على أفراد العائلة، استمرت سارة في دعم أخاها طوال فترة المحنة، وفي الزيارة الأولى في رومية كانت تحدق في الأروقة الطويلة، في المباني، في المساجين وعائلاتهم. عالم غريب كل شيء لا يشبه شيء من حياتها سابقاً، كانت ترى كل شيء بريبة ورهبة “عندما رأيت نادر كان يبدو ضائعاً ونظراته تائهة حاولت أن أخفف عنه حينها، ومع كل زيارة كنت أراه أقوى ومنسوب معنوياته في ارتفاع إيجاباً، كان واثقاً بأنه سيخرج قريباً”. اقترب يوم المحاكمة كانت سارة على يقين بأنه سيخرج بريئاً من السجن بعد المحاكمة، وأن القصة ستنتهي بالبراءة، كانت العائلة كلها موقنة بذلك. كان نادر قد جهز نفسه ورتب أفكاره، وشحذ همته للمرافعة.  تقول سارة “في آخر لقاء لي مع نادر قلت له أنه عليه أن يكمل دراسته ويعود إلى حياته بشكل طبيعي فالمحنة ستنتهي وتنطوي” وكان نادر مطمئناً حينها لكن على قليلٍ من القلق

ما عاشته سارة خلال هذه الفترة لم يكن سهلاً، تراها في المنزل مع والدها ووالدتها وأختها لين تحاول التخفيف عنهم وهي تعيش الخوف عليهم ” كنت لا أنام حتى أتأكد أنهم ناموا ولا زلت حتى الآن “، وخارج المنزل مع نادر تجهد لتبث المعنويات وتسعى لتحفيزه ليبقى قوياً متماسكاً

لين وسندها القوي نادر …لن يفرقهما أحد أبداً

أردت أن اعرف فقط “لماذا أعتقلوا أخي نادر”؟

ولعل الذكريات الأصعب هي لطفلة لم تبلغ الرابعة عشر، وهي لين الشقيقة الصغرى لنادر شمس، التي تسبقها عاطفتها وبراءتها في الحديث والتعبير عما رأته بأعينها في ذلك النهار المشؤوم في الأول من أيلول عندما اعتقل أخاها أمامها، وخرج مكبلاً. المشهد لم يكن سهلاً عليها، ولعل أول ما فعلته بعد غيابه عن عيناها البريئة، هو البحث على صفحة شقيقها نادر على فايسبوك لمعرفة آخر ما نشره كمحاولة معرفة جواب لسؤال واحد دار في ذهنها ” لماذا اعتقلوا أخي نادر؟”

لين: كنت اسمع صوته دائما لأبقى قوية

“كنت متأكدة منذ اللحظة الاولى أن نادر بريء” هذا ما تمسكت به لين عندما توضحت وكشفت مجريات الأمور أمامها فمن المستحيل أن يرتكب نادر أي خطأ، “نادر كان دائما يشرح ويوضح لي كل ما قد لا أفهمه، كان يعرف كل شيء، ولديه دائماً جواب مقنع وصحيح عن أي سؤال”. الأيام العشرة الاولى كانت الأصعب بالنسبة لها فهي لم تعتد عدم رؤية أخاها لفترة طويلة، عندما كانت تشتاق له كانت تسمع تسجيلات صوتية قديمة له لتستمد القوة منها، “كنت أجلس وحيدة، وأحاول أن أبدو طبيعية متماسكة رغم خوفي حتى أقف بجانب والدتي” وكان بادياً على وجه لين وحديثها أنها تستمد كل قوتها من شقيقها نادر

كان أعظم مخاوفها في هذه المحنة، العودة للمدرسة وانتشار الخبر، فهي متأكدة من براءة نادر لكنها لم ترد أن تسمع أي كلمة “مؤذية “على حد تعبيرها يمكن أن تشوه أو تسيء لأخاها نادر. في أول يوم في المدرسة كان نادر لا يزال في المحكمة العسكرية “كنت أشعر بالألم عندما أمر بباص المدرسة أمام المحكمة لم أكن أستطيع رؤيته، كنت أفتش عن ابتسامته بين الوجوه أمام المحكمة العسكرية” بهذه الجملة عبرت لين عن مدى اشتياقها له وصعوبة هذه اللحظات في ذلك الوقت

فكرت بالهرب من المدرسة لأذهب للقاضي وأقول له أخي بريء

الاعتقال، الانتقال بين الأجهزة الأمنية، صدور القرار الظني ف “سجن رومية”، كلها أحداث شعرت لين أن الكابوس طويل ومستمر.  اقترب عيد الميلاد ونادر ليس مع عائلته ككل سنة كما جرت العادة. لين التي كانت تألمت من مرور العيد من دون رؤيته، تسبقها براءتها وعاطفتها في الحديث عن هذه الفترة وقالت “في أحد الأيام فكرت بالهروب من المدرسة والنزول إلى المحكمة لأقول للقاضي بأن نادر بريء وعليه الإفراج عنه “.  الأيام الثلاث قبل المحكمة كانت أطول ما عاشته، لين الصغيرة تمنت كل يوم أن يكون 4 كانون الثاني، ومع دنو اليوم المنشود ازداد التوتر والقلق، قامت لين قبل موعد المحاكمة بإرسال رسالة لأخيها مع والدها وأختها سارة، أوصته فيها أن يكون قوياً. الملفت أن الصغيرة لين كانت دائمة النصح لنادر “عليك بال eye contact  يا نادر مع القاضي أثناء المحكمة “.  جاء فجر الرابع من كانون الثاني 2019، لم تنم لين حتى الساعة الخامسة فجرا، قرأت الدعاء لشقيقها نادر مع آذان الفجر. تذكر لين هذا اليوم بتفاصيله المملة، كل ثانية فيه:” اتصل نادر مساءاً، الساعة 9:00، بعد انتهاء جلسة المحكمة وبعدها الساعة 10:22 علمنا بحكم البراءة

انتهى إذا كابوس لين وسارة وفاطمة في هذه اللحظة والدقيقة لتكتمل الفرحة بلقاء نادر في المنزل، لكن ذلك الوالد الذي قرر أن يعتصم الصمت ويعتصر الألم المضاف إلى مخزون هائل من الألام، حاولت أن أحدثه فقال كلمة واحدة ” وجعي أفقدني قدرة الكلام، ولن أضيف أي عبارة، لأني فقط أتمنى الارتحال لعل الجميع يرتاح بدءا من عائلتي وصولا إلى كل أنسان عرفته ليرتاحوا جمعيا”، قصة نادر شمس انتهت الآن مع العائلة

ويبقى الجواب “أن نادر شمس كان بريئاً وسجن بريئاً وخرج بريئاً…ولكن لما حصل ذلك في وطني لبنان؟

تعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *