الفساد في لبنان…هل من حل قادم أم …!!؟

مشاهدة 200

لكن لا يكاد يمر يوم في لبنان إلا وتتفجّر فضيحة من العيار الثقيل تهز البلاد لساعات عدة، لتأتي بعدها فضيحة أخرى تغطي على سابقاتها، مما يعكس، ثقافة الفوضى والفساد التي باتت مستشرية في السنوات الماضية. في وقت ترفع شعارات الإصلاح ومكافحة الفساد والوعود بتحسين الواقع الاقتصادي، التي تبخرت في الهواء غداة الاستحقاق الانتخابي. وما حصل هو أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من الفساد، ليبقى الهم الشاغل لمعظم السياسيين والزعماء تقاسم الحصص فيما بينهم واقتسام الصفقات وما تبقى من مقدرات الدولة، في ظل حكومة تصريف أعمال. ولا تكترث الطبقة السياسية لهموم المواطنين المعيشية وللوضع الاقتصادي المتداعي، الذي ينذر بانهيار قريب، فتم تجميد قروض الإسكان، وجرى التكتم على حقيقة الحالة الاقتصادية ووضع المالية العامة.

وقد زادت نسب البطالة، وسط تسريح مئات الموظفين من شركات خاصة، لكن الهدر لم يتوقف في البلاد بعكس حالة الإنكار التي انتهجها من هم في السلطة لتغطية عجزهم وفشلهم في إنقاذ الدولة من أزماتها.

في وقت، قدر وزير شؤون مكافحة الفساد في لبنان نقولا تويني الخسائر التي تتكبدها بلاده بسبب الفساد بملياري دولار سنويا. وقال الوزير “التخمين الذي لدينا هو تقريبا مليارا دولار مباشرة أو غير مباشرة، وبمجرد دخول الحكومة الرقمية فإن 20 أو 30% من الفساد سيحل تلقائيا لأن المواطن لن يكون لديه علاقة بالموظف”.

وكان حزب الله أكد على لسان النائب حسن فضل الله  أنه “عندما يقول نصر الله أنه لدينا جهاز سيتابع موضوع الفساد فإن هذا الجهاز موجود وسيقوم بدوره”.

وتُظهر تقديرات صندوق النقد الدولي أن نسبة الجباية الضريبية في لبنان تبلغ نحو 50% فقط، في حين يقدر مسؤولون في جمعية المصارف حجم التهرب الضريبي بنحو مليار ونصف مليار دولار سنويا. وكانت منظمة الشفافية الدولية وضعت لبنان في أحدث تقاريرها بالمرتبة 143 من أصل 180 دولة. وكان تقرير صندوق النقد الدولي أظهر أن لبنان احتل المرتبة 123 في العالم، متقدّماً بذلك من المركز 136 الذي كان يشغله في العام 2014. وكان وزير الاقتصاد والتجارة المستقيل الدكتور الان حكيم فجر قنبلة على حسابه في “تويتر” في وقت سابق، فنشر تغريدة كشف فيها أن الفساد يكلف الدولة اللبنانية 10 مليارات دولار سنويا منها 5 مليارات خسائر مباشرة. والخسائر المباشرة تعني الأموال التي كان من المفروض أن تدخل خزينة الدولة ولكنها خرجت من الدورة الاقتصادية والمالية وحُرمت منها الخزينة. أما الخسائر غير المباشرة فهي تلك المتعلّقة بالفرص الاقتصادية الضائعة التي كان بإمكان هذه الاموال تأمينها لولا خروجها من الدورة الاقتصادية والمالية المنظمة والشرعية.

هذه الأموال التي “تسرّب خارج المنظومة الاقتصادية”(Fuite Du Circuit Economique) كان يمكن إستثمارها أو إستهلاكها ضمن الماكينة الاقتصادية ما كان ليعود على الاقتصاد بالفائدة من كل النواحي. وإستنادا الى الدراسات التي ارتكز عليها الوزير حكيم لتخمين حجم الفساد في لبنان تأتي الخسائر المُباشرة نتيجة الفساد في العديد من المرافق العامة التي تغيب عنها الرقابة والشفافية. ويأتي الفساد من مصادر عدة: التخمين العقاري، الجمارك، الوزارات والمؤسسات التي تُقدم خدمات، الأملاك البحرية والنهرية، المخالفات، الضرائب، الرسوم، التهرّب الضريبي، المناقصات وغيرها.

يسبب الفساد خسارة عالمية تتراوح بين 1,5 و2 تريليوني دولار سنوياً نتيجة ما يمثّل من نسبة تصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحسب صندوق النقد الدولي. فهذه الظاهرة تقود إلى انخفاض معدلات النمو وزيادة عدم المساواة في الدخل وتآكل أوسع في المجتمع، والأهم أنها تقوّض الثقة في الحكومات. كما يعيق الفساد سير سياسة الموازنة السنوية والمالية العامة ويضعف الرقابة المالية، مشيراً الى أن الفساد قضية حاسمة في تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي. ويرى الصندوق “أن لا وصفة واحدة لجميع الدول لمحاربة الفساد، لكن على كل الدول أن تلتزم الشفافية الضريبيّة والماليّة، وتعزز سيادة القانون وتنفذ إطاراً قانونياً واضحاً لدى كل المؤسسات”.

لا شك في أن ظاهرة الفساد مُكلفة، ويؤكد بعض الخبراء أن كلفة الفساد على إقتصاد دولة معيّنة قد تتراوح بين 5 و40% من ناتجها المحلّي مع معدل 30% للدول الناشئة أو في طور النمو. وتختلف أنواع الفساد والطرق المُعتمدة وتتراوح الوسائل بين ما يُعرف بـ”بقشيش بسيط” إلى مبالغ تفوق عشرات مليارات الدولارات. فبحسب البنك الدولي تصل فاتورة الرشاوى في العالم الى ما يقارب تريليون دولار سنوياً، الجزء الأكبر منها في القطاعات العامة للدول الناشئة، فيما تقدّر المؤسسة قيمة الخسارة على اقتصادات هذه الدول بما يقارب 400% من ناتجها المحلي الإجمالي. والفساد يُعرّف بإساءة إستعمال السلطة لغرض الإثراء الشخصي. وتكمن أسبابه في غياب الإدارة الرشيدة والتي تحوي الإطار التشريعي غير الملائم، النظام قضائي غير الفعال، غياب الشفافية؛ غياب سياسات محاربة الفساد؛ الضعف المؤسساتي لمؤسسات الدولة و/ أو المؤسسات الخاصة؛ الأجور المنخفضة لبعض المراكز الحساسة، والثقافة المحلية.

كما يعتبر الفساد المسؤول الأول عن غياب الإستثمارات الخارجية والأجنبية عن البلاد، اذ أن المستثمر يفضل الاسواق التي يقل فيها حجم الفساد للإستثمار، فالفساد يعيق عمل وتطور ونمو الشركات. كما يطاول الفساد أيضاً عدداً من القضايا التي تتعلق باللجوء السوري في لبنان. ومن أبرز انواع الفساد في هذا المجال المنتجات والصناعات المهرّبة من لبنان واليه عبر القنوات والمعابر غير الشرعية وغيرها ما يحرم خزينة الدول الملايين سنوياً، بالاضافة الى مشكلة اليد العاملة غير المنظمة التي اجتاحت سوق العمل اللبناني وما حرم خزينة الدولة من إيرادات تُجبى كضرائب دخل، بالاضافة الى الخسائر التي يتحمّلها المواطن جراء استبداله بعامل غير لبناني، مع الحديث عن سوق عمل موازية تنتشر حالياً في لبنان، وتضاف الى كل ذلك أزمة المعامل غير الشرعية على الأراضي اللبنانية من دون أن تستفيد منها الدولة أو المواطن اللبناني. كما يدخل الفساد في الشأن العام من باب المناقصات وغياب الشفافية والوضوح عند إتمامها.

الفساد المُستشري في لبنان يبقى عقبة أساسية امام التطور الاقتصادي والإجتماعي، كذلك يلعب دور الكابح لدور الدولة في صقل الماكينة الاقتصادية وهذا ما يُلاحظ من غياب التخطيط على المستويات كافة، واعتماد سياسة الفوضى والمحسوبية والزبائنية السياسية.

وفي ظل هذا الفساد المستشري، كل شيء في لبنان أصبح مباحا ومتاحا للطبقة السياسية التي لا تشبع. حيث تحولت بيروت في الأشهر الأخيرة إلى عاصمة لقمع الحريات، حيث شهدت البلاد عشرات الاستدعاءات الأمنية لناشطين وصحفيين على وسائل التواصل الاجتماعي. ومؤخرا، توالت التوقيفات على نحو غير مسبوق، حيث تتنافس مختلف الأجهزة الأمنية بطريقة بوليسية على توقيف المعارضين بشكل غير قانوني. في وقت وفي لبنان أيضا، يتبادل السياسيون الشتائم فيما بينهم ويساهمون يوميا في توتير الشارع ورفع درجة الاحتقان، كل ذلك خدمة لمصالحهم السياسية والمالية والشعبوية. عشرات الفضائح ضجت بها البلاد خلال الأشهر الماضية، لكن الطبقة السياسية تتصرف وكأن شيئا لم يكن، وبعضهم يتصرف وكأن الدولة غائبة كليا عنهم.

ورغم كل هذا الواقع المأساوي، فذلك لن يحرك ساكنا لدى من هم في موقع الحكم والمسؤولية، فالفضائح تستمر وتتواصل، والمحاسبة تبقى غائبة حتى إشعار آخر. وبكل الأسف لا يمكن سوى إطلاق صرخة ومناشدة المعنيين بقول المتنبي : يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

تعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *