13 نيسان 1975 …

مشاهدة 426

في قراءة باردة في زمن الإحترار العربي

إيمان العبد

لا شك أن حادثة عين الرمانة التي وقعت في 13 نيسان/إبريل 1975 كانت بمثابة النقطة التي ملأت كأس الأحداث، إن لم نقل بأنها لا تعدو عن كونها القشة التي قصمت ظهر البعير، وجعلت الكأس ينضح بما فيه من انقسامات طائفية، تبعد كل البُعد عن الوطنية، وليبدأ مسلسل الدم، ويمتد لأكثر من 16 عاماً، ليفنى فيه البشر والحجر، وتستباح أرواح وأملاك شعبٍ شرب من كأس الطائفية والكراهية حتى الثمالة، وليستمر في حفلات العربدة والجنون الى لحظتنا المعيوشة…

الصراع الظاهر والأساسي كان بين حزب الكتائب والأحزاب اليسارية حول مسألة “الكفاح الفلسطيني المسلح وتواجدهم على الأراضي اللبنانية”.

البداية كانت في أواخر الستينات حيث اندلعت اشتباكات بين الامن اللبناني والفصائل الفلسطينية في لبنان وأنتجت “اتفاق القاهرة” (راجع: وثائق) الذي نظم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان وأعطاه الصلاحيات للقيام بأعماله “الفدائية” من على الأراضي اللبنانية، بعد هذه الاشتباكات، بدأ التخوف من الوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية، رغم الهدوء الذي ساد آنذاك، ولكن عادت الاشتباكات مجددا لتشتعل في أيار/ مايو من العام 1973 بين الجيش اللبناني والمقاومة “الفلسطينية” بعدما خطف عنصرين من الجيش اللبناني.

على وقع احداث متتالية منذ العام 1973 لغاية 1975، إلى لحظة انفجار 13 نيسان/أبريل 1975، والتي لا يمكن استعادتها في تعداد سريع في هذه العُجالة، لكن سأبدأ مع بزوغ عام 1975، وتحديداً من شهر كانون الثاني 1975 مع تصريح الشيخ بيار الجميل (مؤسس حزب الكتائب، جد الرئيس الحالي للحزب سامي الجميل) من القصر الجمهوري أمام الصحفيين تعقيباً على أعمال الفدائيين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني قائلا:” أن الوضع في الجنوب لم يعد محتملاً لذلك إما أن تكون السلطة كلها في لبنان للمقاومة وإما أن تكون السلطة للدولة اللبنانية”.

ياسر عرفات (أبو عمار)، الشيخ بيار الجميل

هذا التصريح لبيار الجميل لاقى الكثير من الانتقادات خاصة في صفوف الأحزاب اليسارية، حيث وقف كمال جنبلاط (زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، والد الزعيم وليد جنبلاط) أمام الصحفيين ورد على الجميل قائلا:” ان الشيخ بيار الجميل والكتائب ينفذون مخططاً إسرائيلياً وان المخابرات الإسرائيلية موجودة داخل حزب الكتائب” واتهم اليسار اللبناني “الكتائب بتنفيذ مخطط امبريالي صهيوني”.

سرعان، ما انتقلت شرارة تصريح بيار الجميل الى الساحة الطلابية خاصة في الجامعة اللبنانية، وتحديداً إلى “كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية”، وفي7 شباط/ فبراير 1975 وزع بيان صادر عن عمدة الإذاعة في الحزب السوري القومي الاجتماعي رداً على بيار الجميل في الكلية، لكن لم يرق الأمر لمناصري حزب الكتائب فاشتبك فريقي الحزبين، وطوق هذا الاشتباك على الفور، ليتجدد في اليوم التالي في كلية التربية، في الجامعة اللبنانية أيضاً. وحدث عشية ذلك أن تم نسف مركزان لحزب الكتائب، كما تم إطلاق الرصاص على أحد القوميين، ثم انتقل بعد ذلك الاشتباك الى الجامعة اليسوعية، حيث تعرض الكتائب لطالب قومي في اللجنة التنفيذية للطلاب في الجامعة المذكورة.

كانت تلك الاحداث تؤشر على أن حزب الكتائب بدأ يخسر نفوذه في الساحة الطلابية، كذلك في الساحة السياسية، حيث أن حزب الكتائب كان قد خسر في الجامعة اليسوعية خلال الانتخابات الطلابية، حيث ظهر تياراً جديداً يضم أفراداً من حزب الوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية والشماليين وبعض الفئات اليسارية. الذي خاض الانتخابات الطلابية وحقق نجاحاً، وكانت المرة الأولى التي يصل فيها القوميون ومعهم بعض الفئات اليسارية الى القيادة الطلابية في الجامعة اليسوعية، وكذلك الامر في الجامعة اللبنانية، حيث كان 7 شباط يوما هادئا رغم النتائج التي أظهرت تراجعاً كبيراً لحزب الكتائب حيث نال اليسار 132 مقعدا من أصل 160.

تظاهرات طلاب علم …زمن السبعبنبات

تسارعت الأحداث في شباط/ فبراير 1975 ويمكن تسميته “شباط المشؤوم” ففي الحادي عشر من هذا الشهر تعرضت الشركة الأميركية للتأمين على الحياة في منطقة صور (جنوب لبنان) لانفجار قنبلة موقوتة، وأعلنت المنظمة الشيوعية العربية تبنيها الحادث، وفي 14 شباط/ فبراير أطلق النار على حاجز للجيش اللبناني قرب مفرق الزهراني باتجاه التابلاين. في17 شباط/ فبراير حصلت اضطرابات طلابية بقيادة اليسار في كليات الجامعة اللبنانية، وفي 24 شباط/ فبراير تعرض رئيس بلدية صور لمحاولة اغتيال، وفي اليوم التالي وقعت صدامات في الجامعة الأميركية.  وتوج هذا الشهر بإطلاق النار على تظاهرة الصيادين في مدينة صيدا (جنوب لبنان) حيث أصيب النائب السابق معروف سعد (والد النائب أسامة سعد – رئيس التنظيم الشعبي الناصري) في 26 شباط/فبراير 1975 في التظاهرة التي قامت احتجاجاً على شركة “بروتين” التي يرأس مجلس ادارتها الرئيس كميل شمعون (رئيس حزب الوطنيين الاحرار – والد دوري شمعون)، والمالك الأكبر لأسهمها، الشركة التي حظيت بحق الاحتكار لصيد السمك على طول الشواطئ اللبناني لمدة 99 عاماً. هذه الحادثة مفصلية في السير نحو الانقسام في هذا الشهر، فانهالت الاتهامات على الجيش اللبناني محاولته قمع المتظاهرين، وكانت أن اندلعت بعدها معارك في صيدا بين الجيش اللبناني ومسلحين.

معروف سعد مرفوعاً على أكتاف الصيادين

بدأ الوضع السياسي يهتز والقوى السياسية بدأت بالتنديد، وانطلقت الدعوات السياسية الى انسحاب الجيش اللبناني من صيدا. لوح رئيس الحكومة آنذاك رشيد الصلح بالاستقالة في حال لم ينسحب الجيش من صيدا. كما شهدت العاصمة اللبنانية بيروت سلسلة اجتماعات أظهرت مدى هشاشة الوضع السياسي الداخلي، وبالتالي أضعفت الجيش اللبناني.

على إثر هذه الحوادث والمواقف السياسية المعارضة لدور الجيش اللبناني، انطلقت تظاهرات القوى المؤيدة له في 4 آذار/ مارس 1975 في بيروت بدعوة من حزب الكتائب ومؤيدوه.

سرعان ما توفي معروف سعد في 6 آذار/ مارس 1975 متأثراً بجراحه، مما دفع القوى الوطنية والتقدمية الى إعلان الاضراب العام في بيروت. فيما بدأت الهيئات الإسلامية، تدعو رشيد الصلح الى الاستقالة من رئاسة الحكومة، وفي 8 آذار/ مارس، أردي الملازم في الجيش اللبناني الياس الخازن في صيدا بنيران مجهولة. كما وقعت اصطدامات مسلحة في منطقة الشياح (جنوب بيروت) ومنطقة الناصرة (وسط بيروت) بات الوضع أكثر توتراً وقلقا مع مطلع شهر نيسان/ أبريل.

تشييع معروف سعد

جاء 13 نيسان/أبريل 1975، وجاءت البوسطة، بوسطة عين الرمانة، التي سكنت حيز كبير من ذاكرة المواطن اللبناني الذي عايش أو لم يعايش مأساة 13 نيسان، حيث فاض كأس الدم، وبدأت مشاهد الحرب الأليمة تتوالى أمام ناظري الشعب اللبناني، مأساة بدأت عندما كان حزب الكتائب اللبنانية تحتفل بتدشين كنيسة سيدة الخلاص للروم الكاثوليك في شارع مار مارون المتفرع من شارع بيار الجميل، ربما شاء القدر أن يكون الفدائيون أيضاً يحتفلون بمهرجان تأبيني أقيم لشهداء الثورة الفلسطينية واشتركت فيه جميع الفصائل. وحوالي الساعة العاشرة تقريباً وصلت سيارة فولكسفاغن يقودها فدائي لبناني اسمه “منتصر احمد ناصر” وكانت لوحتها مكشوفة ومعروفة بأنها تابعة للكفاح المسلح الفلسطيني، وحاول رجال شرطة السير منعه من المرور، ولكنه تجاوزهم فاذا به يصطدم بجوزيف أبو عاصي مرافق الشيخ بيار الجميل، الذي حاول منعه من المرور بالقوة، لم يذعن سائق السيارة لإرادته وأكمل طريقه بسرعةـ فأطلق أبو عاصي عليه النار، فنزل سائق السيارة منها بسرعة، وإذ به يسقط على الأرض، حيث أصيب في كفه. ظن البعض ان رصاصة قد اخترقت يده. ونقل على الفور الى مستشفى “القدس” الذي تشرف عليه المقاومة الفلسطينية. وكانت فرقة الطوارئ – فرقة 16 – هي من تولت نقله. وبعد ثلثي الساعة تقريباً وصلت سيارة “فيات” حمراء في داخلها أربعة مسلحين، تجاوزت سيارة الدرك ثم أخذت بإطلاق النار عشوائياً على مجموعة من شباب الكتائب والمواطنين التي كانت تتحضر لاحتفال تدشين الكنيسة، فقتل جوزيف أبو عاصي (كان موعد عمادة أبنه “بشير” بعد ظهر ذاك اليوم) وانطوان ميشال الحسيني من حزب الكتائب والمدنيين ديب يوسف عساف وإبراهيم حنا أبو خاطر، وسقط 7 جرحى جرى نقلهم إلى مستشفى “الحياة” في محيط منطقة الحادث. قام شباب حزب الكتائب بالرد على مصدر النيران، علىرركاب سيارة “الفيات” الذين كانوا يلوذون بالفرار فقتل أحد مطلقي النار وجرح اثنان. ونقلت فرقة الطوارئ – فرقة 16 – الجرحى والقتيل الى المستشفى . خلال فترة وجيزة لا تتعدى ربع الساعة، وصلت تلك “البوسطة” التي تقل فلسطينيين كانت متوجهة الى “تل الزعتر” بعد انتهاء الاحتفال بذكرى عملية “الخالصة” الأولى. وانهال الرصاص عليها من كل جانب، مما أدى إلى مقتل 27 شخصاً، لكن نجا السائق اللبناني واثنان من رجال المقاومة.

البوسطة …زمن المقتلة…

بسرعة وجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى حزب الكتائب، دون أي انتظار أي تحقيق رسمي. وانتشر التوتر وارتفاع منسوب الخطر.

سارعت الأحزاب الوطنية والتقدمية الى عقد اجتماع طارئ ليل يوم الأحد برئاسة كمال جنبلاط، واتخذت قرار “عزل حزب الكتائب” في المجلس النيابي، واعتباره المسؤول الأول والأخير عن حادثة عين الرمانة، معتبرين أنه بمثابة تكرار لحادث الكحالة قبل سنوات.

القوى الوطنية والتقدمية مجتمعة بقيادة كمال جنبلاط

أصدرت القوى الوطنية والتقدمية بيانها، على وقع طلقات الرصاص، مطالبة بمعاقبة الرؤوس المُخططة لحادث عين الرمانة، واقتحام المناطق التي تحتلها الكتائب، وطرد وزيري حزب الكتائب من الحكومة ومقاطعته وطنياً وسياسياً وقطع كل حوار معه.

هذا البيان كان بمثابة إعلان رسمي لانطلاقة الحرب الدامية. وتتالت بعدها البيانات الحزبية المختلفة التي تُحذر الفتنة الطائفية.

مقاتل كتائبي من زمن البدايات

بدأت مطالبة رئيس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل بتسليم مرتكبي الجريمة. وفي 14 نيسان/ أبريل بدأت بيانات الاستنكار الدولية والعربية، كما بدأ التنديد بما فعلته الكتائب. كانت المساعي حثيثة لرآب الصدع. لكن توقف كل شيء عندما بلغ المكتب السياسي لحزب الكتائب أن ياسر عرفات “أبو عمار” (رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، قائد قوات حركة التحرير الفلسطينية – قوات العاصفة – فتح) وجّه برقية اتهام لحزب الكتائب وقادتها واتهمها بالمجزرة. آنذاك لم يكن مطلوباً من الكتائب التنصل من الحادث انما تقبل التهمة من دون اصدار حتى بيان استنكار.

كمال جنبلاط، ورئيس الحكومة ووزير الداخلية رشيد الصلح

لم يكن هناك أية ادلة جرمية تثبت تورط حزب الكتائب في حادثة “البوسطة”، وإنما استنتاج تم التوصل له من خلال ربط أحداث ذاك اليوم المشؤوم، وتم استغلال الحادثة كـ “صاعق تفجير” لحرب استمرت 16 عاما. ذلك أن التحقيقات العسكرية التي جرت فيما بعد، وبشكل متأخر جدا أي بعد ما وقع “الفأس بالرأس” أثبتت أن لا علاقة لحزب الكتائب بهذا الحادث، كما لم تحدد الجهة المسؤولة أيضاً. ورأت التقارير الأولية التي أرسلت من قبل الدرك ومن قبل وزارة الداخلية، أي من قبل رئيس الحكومة آنذاك رشيد الصلح ومن قبل المكتب الثاني ومن قبل قيادة الجيش، حيث ارتكزا الاثنان إلى ظاهر القضية: وجود بيار الجميل ومقتل كتائبي وردة الفعل…. كانت هناك حلقة مفقودة وهي “مرور البوسطة” لإشعال النار وإن “البوسطة” كان يجب ألا تمر من عين الرمانة، لا بل منعت من المرور، وطُلب منها التوجه عبر هذه الطريق التي لم يعتد الفلسطينيون سلوكها. لكن دخول “البوسطة” كان مُخططاً لأن يقتل ركابها…!!!

وما زالت سمفونية الحروب …تتنظر خاتمة…

لا شك، أن ما كتبته هو غيض من فيض الكثير من المعطيات والمؤشرات والذكريات التي استطعت أن أعرفها من خلال ما أقوم به، ومن خلال مشاركتي ضمن فريق الصديق “نسيب شمس” في مشروعه

” ذاكرة المؤمن اللبناني “

مذكرات الأخ الرفيق الشهيد الحي

والذي سينشر على حلقات مع وثائق من محفوظات الصديق…

تعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *