كيف تهدر الاموال العامة بشكل قانوني ؟

مشاهدة 216

“ثغرات قانونية تعيق رقابة “ديوان المحاسبة

تخضع جميع الإدارات العامة – مبدئياً – لرقابة ديوان المحاسبة المسبقة، إلا أنه ونظراً لبعض الصعوبات القانونية والتنظيمية فإن بعضاً من هذه الإدارات تخرج عن نطاق الرقابة.

 

“غموض النص القانوني

لـ “الهيئة العليا للإغاثة

نظم القرار 35/1 تاريخ 17/12/1976 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء والمُصدق بالمرسوم الاشتراعي رقم 22 تاريخ 18/3/1977 أعمال “الهيئة العليا للإغاثة“.

يرئس “الهيئة العليا للإغاثة” رئيس مجلس الوزراء وتضم عدداً من الوزراء بصفة أعضاء، وعدداً آخر من المديرين العامين بصفة أعضاء معاونين. وقد حددت مهام الهيئة بالقيام ” بجميع الأمور التي لها طابع الإغاثة”، إضافة إلى “جميع القضايا المحالة عليها من قبل مجلس الوزراء مهما كانت مواضيعها”.

استناداً إلى هذه النصوص قامت “الهيئة العليا للإغاثة” ولا تزال، بتنفيذ عشرات المشاريع على مختلف الأراضي اللبنانية، العديد منها يدخل في اختصاص الوزارات المختلفة ولا تتصف بطابع الإغاثة (كشراء محصول التفاح وزيت الزيتون وتنظيف مجاري الأنهر…) منفقة لقاء ذلك مئات المليارات من الليرات اللبنانية دون أن تخضع في أعمالها هذه لرقابة ديوان المحاسبة سواء أكانت مسبقة أم قضائية مؤخرة، مع ما يمكن أن ينجم عن ذلك عن إساءة استعمال المال العام. والسبب في ذلك يعود، إلى أن النصوص القانونية المنظمة لـ “الهيئة العليا للإغاثة” لم تحدد طبيعتها القانونية، وما إذا كانت تؤلف إدارة من إدارات الدولة أو مؤسسة عامة من مؤسساتها.

كما أن هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، أصدرت أراء متناقضة في الموضوع. فاعتبرت في الاستشارة رقم 1664 تاريخ 25/7/1989 أن “الهيئة العليا للإغاثة” بما أعطيت من صلاحيات تقريرية وفي النطاق المختص بها إدارة عامة لا يجوز استخدام الموظف المتقاعد للعمل فيها.

في حين اعتبرت هيئة التشريع والاستشارات في استشارة أخرى، رقم 1694 تاريخ 12/10/1989، أن الأنظمة المطبقة على “الهيئة العليا للإغاثة” تؤدي إلى القول “بتمتعها بمقومات الشخصية المعنوية وبالاستقلالين الإداري والمالي، كل ذلك ضمن حدود أهدافها ومهامها”.

أن التخبط في هذه الاستشارات من شأنه أن يحد من رقابة ديوان المحاسبة على إدارة من إدارات الدولة نعتقد جازمين بوجوب خضوعها لرقابات الديوان كافة، نظراً لصفة العمومية التي تلازم المال الذي تقوم بإنفاقه. وفي ضوء كل ذلك، نرى أنه من الضروري استصدار نص قانوني تحدد بموجبه الطبيعة القانونية لـ “الهيئة العليا للإغاثة” عندها يُبنى على الشيء مقتضاه.

“وضوح وضع “مجلس الإنماء والإعمار

نصت المادة /4/ من المرسوم رقم 11756 تاريخ 8/1/1963 على أنه:

“يمكن للحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء أن تنقل من إدارة إلى إدارة أخرى، أو من إدارة إلى مصلحة مستقلة والعكس بالعكس شرط موافقة المصلحة المختصة، الاعتمادات المخصصة للأشغال والتجهيزات والمفتوحة لحساب إدارة معينة، غير انه لا يجوز استعمال هذه الاعتمادات إلا للغاية التي لحظت لأجلها ويجري استعمالها وفقاً للقوانين والأنظمة المطبقة على الإدارة أو المصلحة التي نقل إليها الاعتماد ويجري التنسيب بمرسوم الإحالة”.

كما نصت /5/ الفقرة /5/ من المرسوم الاشتراعي رقم 5/77 (إنشاء مجلس الإنماء والإعمار) على انه “يقوم المجلس بالمهام التنفيذية التالية، القيام مباشرة بتنفيذ أي مشروع يكلفه به مجلس الوزراء وله من اجل ذلك وضع جميع الدراسات المتعلقة بالتصميم والنظام التوجيهي والتفصيلي وتعديلها، وحق ترتيب أو إعادة ترتيب وتطوير منطقة أو جزءاً من منطقة، وبيع الأراضي المرتبة أو إنشاء أبنية عليها وبيعها وتوزيع صافي الأموال الناتجة عن البيوعات على أصحاب الحقوق”.

ولقد أدى تطبيق هاتين المادتين إلى استثناء مئات المليارات اللبنانية من أحكام رقابة ديوان المحاسبة المُسبقة. حيث تنفذ معظم المشاريع الداخلة في اختصاص الوزارات المختلفة (تربية، أشغال، اتصالات) من قبل بعض المؤسسات العامة التي جرى نقل اعتمادات الوزارات إلى موازناتها، خاصة مجلس الإنماء والإعمار الذي يقوم بتنفيذ مشاريع كثيرة التنوع وعلى الأراضي اللبنانية كافة، وذلك بناء على تكليف من قبل مجلس الوزراء (كمشاريع بناء المدارس وشراء سنترالات جديدة). لذلك يبدو من الضروري تعديل تلك النصوص وحصر عملية نقل الاعتمادات من الإدارات العامة إلى المؤسسات العامة بما هو ضروري جداً، كي لا يُساء استعمال هذه الوسيلة التي تشكل مخرجاً قانونياً للتهرب من الرقابة المُسبقة. كما يجب الحد من تمادي مجلس الوزراء في استعمال الحق الممنوح له في الفقرة الخامسة من المادة الخامسة أعلاه.

تعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *